محمد متولي الشعراوي
769
تفسير الشعراوي
تشريع اللّه للرخص ينقلها إلى حكم شرعي مطلوب ؛ وفي ذلك يروى لنا جابر ابن عبد اللّه رضى اللّه عنه قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظلّل عليه فقال : « ما هذا » فقالوا : صائم فقال : « ليس من البر الصوم في السفر » « 1 » . وعندما تقرأ النص القرآني تجده يقول : « فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ ، فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ » أي أن مجرد وجود في السفر يقتضى الفطر والقضاء في أيام أخر ، ومعنى ذلك أن اللّه لا يقبل منك الصيام ، صحيح أنه سبحانه لم يقل لك : « افطر » ولكن مجرد أن تكون مريضا مرضا مؤقتا أو مسافرا فعليك الصوم في عدة أيام أخر وأنت لن تشرع لنفسك . ولنا في رسول اللّه أسوة حسنة فقد نهى عن صوم يوم عيد الفطر ، لأن عيد الفطر سمى كذلك ، لأنه يحقق بهجة المشاركة بنهاية الصوم واجتياز الاختبار ، فلا يصح فيه الصوم ، والصوم في أول أيام العيد إثم ، لكن الصوم في ثاني أيام العيد جائز ، لحديث عن أبي هريرة رضى اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « نهى عن صيام يومين : يوم الفطر ويوم الأضحى » « 2 » . وقد يقول قائل : ولكن الصيام في رمضان يختلف عن الصوم في أيام أخر ؛ لأن رمضان هو الشهر الذي أنزل فيه القرآن . وأقول : إن الصوم هو الذي يتشرف بمجيئه في شهر القرآن ، ثم إن الذي أنزل القرآن وفرض الصوم في رمضان هو سبحانه الذي وهب الترخيص بالفطر للمريض أو المسافر ونقله إلى أيام أخر في غير رمضان ، وسبحانه لا يعجز عن أن يهب الأيام الأخر نفسها التجليات الصفائية التي يهبها للعبد الصائم في رمضان . إن الحق سبحانه حين شرع الصوم في رمضان إنما أراد أن يشيع الزمن الضيق - زمن رمضان - في الزمن المتسع وهو مدار العام . ونحن نصوم رمضان في الصيف ونصومه في الشتاء وفي الخريف والربيع ، إذن فرمضان يمر على كل العام .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في كتاب الصوم . ( 2 ) رواه مسلم .